*قراءة نقدية لكتاب “أطماع وأوجاع”*

علي الاعلامي3 فبراير 2026آخر تحديث :
*قراءة نقدية لكتاب “أطماع وأوجاع”*

ناجي الغزي/كاتب وسياسي

في المسافة الفاصلة بين ما يطمح إليه الإنسان وما يؤلمه، يولد هذا الكتاب. ليس بوصفه أوراقاً تُقلب، بل بوصفه ضميراً يحاول أن يبقى حيّاً في زمنٍ تتكاثر فيه المبررات، وتتناقص فيه الحساسيات، وتتراجع فيه القيم أمام زحام المصالح.

كتاب “أطماع وأوجاع” لـسماحة السيد حسين محمد هادي الصدر ليس كتاب نقدٍ سياسي مباشر، ولا سجلًّا لأحداثٍ عابرة، بل محاولةٌ للقبض على اللحظة الأخلاقية التي تسبق كل حدث. فهو الجزء التاسع والثلاثون الذي ينتمي إلى مشروع أوسع هو “موسوعة العراق الجديد”، لكنه في هذا الجزء يبدو كأنه القلب النابض لذلك المشروع، إذ ينتقل من توصيف الواقع إلى مساءلة الإنسان الذي يصنع هذا الواقع.

الأوجاع التي يتحدث عنها الكتاب ليست آلاماً فردية، بل أوجاع وطنٍ أنهكته المفارقات: وفرة الموارد مع شحّ العدالة، وارتفاع الشعارات مع انخفاض الصدق، وحضور الدين في الألسنة وغيابه في المعاملة، واتساع الحديث عن الوطنية في مقابل ضيق مساحتها في السلوك. أما الأطماع، فهي الوجه الآخر لهذه الصورة، إذ تمثل تلك النزعة التي حين تنفلت من عقالها، تُعيد تشكيل السياسة والمجتمع على مقاس المصلحة الضيقة، لا على مقاس الإنسان.

ينطلق الكتاب من قناعة عميقة بأن الأزمة الكبرى ليست في الأنظمة وحدها، ولا في الظروف وحدها، بل في التآكل البطيء للحسّ الأخلاقي. حين يعتاد الناس ما كان يصدِمهم، وحين تتحول الأخطاء إلى أعراف، والتجاوزات إلى عادات، والانحرافات إلى وجهات نظر. عند تلك اللحظة، لا يعود الخلل طارئاً، بل يصبح بنيوياً، ويغدو الإصلاح أصعب، لكنه أكثر إلحاحاً.

يتمتع الكتاب بلغة هادئة في ظاهرها، ولكنها مشحونة بقلقٍ صادق. لا يلوّح بالاتهام، بل يضع المرآة. لا ليصرخ، بل يلحّ. كما يستدعي التراث، والشعر، والحكاية، والموقف الأخلاقي، ليقول إن الإنسان، أيّ إنسان هو نقطة البدء ونقطة النهاية في معادلة الإصلاح. فالدولة لا تكون عادلة إلا بقدر ما في القلوب من عدل، ولا يستقيم الحكم ما لم تستقم المعايير التي يُقاس بها الصواب والخطأ.

هذه الصفحات لا تعد القارئ بحلول جاهزة، لكنها تقدّم ما هو أعمق، إعادة طرح الأسئلة الأولى. ما قيمة السلطة بلا خدمة؟ ما قيمة التدين بلا أمانة؟ ما قيمة الخبز بلا كرامة؟ وما قيمة الحياة العامة إن فقدت روحها الأخلاقية؟

هكذا يتقدم “أطماع وأوجاع” ككتابٍ يحاور الضمير قبل أن يحاور العقل، ويضع القارئ أمام مسؤوليته الفردية قبل أن يحمّله مسؤولية الآخرين. إنها دعوة هادئة، لكنها جادّة، إلى أن يبدأ الإصلاح من الداخل، لأن الأوطان مثل البشر، لا تُشفى من جراحها ما لم تعترف أولاً بمصدر الألم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.