فالح حسن… الصوت اللي يعلن بداية الطرب
بقلم : حسين الأسدي
في ذاكرة الفن العراقي لا يمكن الحديث عن ( التايتل ) او كما يسمونه الأشقاء في الدول العربية ب ( التتر ) دون استحضار تلك الأصوات التي كانت تمنح العمل الفني هيبته الخاصة قبل أن تبدأ الأغنية أو الحفلة. ففي زمن الكاسيت لم يكن التايتل مجرد تعريف سريع بل كان طقساً فنياً متكاملاً يسبق لحظة الطرب ويهيئ المستمع للدخول إلى عالم الموسيقى….
ومن بين الأصوات التي بقيت عالقة في ذاكرتي يبرز صوت الفنان وعازف الكمان الراحل فالح حسن الذي كان يصدح بصوته الرنان والهادئ معلناً أسماء المطربين والموسيقيين ومكان التسجيل والجهة المنتجة وكأنه يقدم وثيقة فنية تحفظ تفاصيل العمل للأجيال …
كان صوته يحمل نبرة مميزة يعرفها عشاق الفن الشعبي العراقي حتى أصبح جزءاً من هوية التسجيلات نفسها
وكان المستمع يسمع في بداية الشريط كلمات مثل:
(تسجيلات شرهان كاطع )… البصرة – العشار… تحت فندق العروبة الكبير…
فتتحول هذه العبارة إلى علامة فنية وتجارية محفورة في الذاكرة ترتبط بزمنٍ كامل من الأغاني والحفلات الشعبية والمواويل العراقية الأصيلة.
لقد لعبت محلات التسجيل الصوتي دوراً مهماً في حفظ التراث الغنائي العراقي وكانت أسماء مثل ( تسجيلات شرهان كاطع ) وغيرها من الاستوديوهات الشعبية تمثل منابر حقيقية للفنانين والمطربين فمن داخل تلك المحلات خرجت تسجيلات نادرة ما زال الجمهور يحتفظ بها حتى اليوم رغم تطور التكنولوجيا وتغير وسائل الإنتاج
وفي تلك المرحلة كان للتايتل الصوتي قيمة كبيرة إذ يذكر أسماء العازفين المشاركين في الفرقة الموسيقية ويحيّي الحضور المهمين ويشكر أصحاب المناسبة في مشهد يعكس احترام الفن وأهله وكان المستمع يشعر بأنه حاضر داخل الحفلة يسمع التصفيق وأصوات الترحيب قبل أن تبدأ الموسيقى.
ثم جاءت مرحلة التلفزيون ليتحول التايتل من الصوت إلى الصورة والخط المكتوب هنا ظهر دور الخطاطين الذين كانوا يكتبون أسماء المخرج والمصور والشاعر والملحن والمطرب بخط اليد قبل ظهور برامج التصميم الحديثة وكانت تلك العناوين تُعرض على الشاشة بأسلوب بسيط لكنه مليء بالهيبة والجمال.
ورغم أن التكنولوجيا اليوم جعلت التايتل أكثر سرعة وحداثة عبر الجرافيك والمؤثرات البصرية إلا أن الكثيرين ما زالوا يحنّون إلى زمن الصوت الإنساني الصادق حين كان اسم الفنان يُعلن بمحبة واحترام وحين كانت مقدمة الشريط جزءاً من متعة الاستماع نفسها
إن التايتل القديم لم يكن مجرد مقدمة بل كان ذاكرة كاملة تختصر تاريخ الفن العراقي وتحمل أصواتاً وأسماءً ما زالت حية في وجدان الجمهور حتى اليوم











