ثروة تبحث عن دولة في زمن غياب ساسون حسقيل

علي الاعلاميمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
ثروة تبحث عن دولة في زمن غياب ساسون حسقيل

مصطفى طارق الدليمي

في السنوات الأولى لتأسيس الدولة العراقية وبينما كانت مؤسسات الحكم ما تزال تتشكل وتبحث عن ملامحها الأولى برز اسم ساسون حسقيل بوصفه أحد الرجال الذين أدركوا مبكراً أن قوة الدولة تبدأ من قوة إدارتها المالية لم ينظر أول وزير مالية عراقي إلى الأرقام بوصفها حسابات جامدة وإنما تعامل معها باعتبارها جزءاً من السيادة الوطنية وحين أصر على أن تُدفع مستحقات النفط العراقي بالذهب كان يضع أسس رؤية اقتصادية تقوم على حماية الثروة الوطنية وتأمين مستقبل الدولة الناشئة في عالم سريع التقلب

بعد أكثر من قرن يعود اسم ساسون حسقيل إلى الواجهة كلما واجه العراق تحدياً مالياً جديداً فالمقارنة بين مرحلة التأسيس ومرحلة الوفرة النفطية تكشف مفارقة لافتة إذ يقف العراق اليوم بين كبار منتجي النفط في العالم لكنه ما يزال يواجه هواجس الاستقرار المالي نفسها التي رافقت بدايات الدولة وبين زمن الموارد المحدودة وزمن العائدات النفطية الضخمة برز اختلاف جوهري في طريقة إدارة المال العام وفلسفة التعامل مع الثروة

يعتمد الاقتصاد العراقي بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية التي تشكل المصدر الرئيس للموازنة العامة ومع كل ارتفاع في أسعار النفط تتسع دائرة الإنفاق الحكومي وتتزايد الالتزامات المالية فتُفتح أبواب التوظيف وتُرفع مستويات الصرف التشغيلي فيما تتراجع الأولوية الممنوحة للاستثمار المنتج وعندما تنخفض الأسعار تعود المخاوف المالية إلى الواجهة فتبرز الحاجة إلى الاقتراض أو إعادة ترتيب النفقات لتتكرر دورة اقتصادية أصبحت مألوفة في المشهد العراقي

هذه المعادلة جعلت الاقتصاد الوطني رهينة لتقلبات الأسواق العالمية أكثر من ارتباطه بقدراته الإنتاجية الذاتية فالزراعة والصناعة والاستثمار الحقيقي ما تزال قطاعات أقل من مستوى الطموح رغم الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها البلد وبدلاً من أن تتحول الوفرة النفطية إلى قاعدة لبناء اقتصاد متنوع اتجه الجزء الأكبر من الموارد نحو الإنفاق الاستهلاكي والنفقات التشغيلية الأمر الذي حدّ من قدرة الاقتصاد على إنتاج مصادر دخل مستقرة ومستدامة

وفي الوقت الذي كانت فيه الإدارة المالية في عهد التأسيس تقوم على الحذر والادخار والتخطيط طويل الأمد توسعت الدولة خلال العقود الأخيرة في الإنفاق والتوظيف والتعاقدات بصورة جعلت الموازنة العامة تتأثر بالاعتبارات السياسية أكثر من ارتباطها بالرؤية الاقتصادية الشاملة وهكذا أصبحت إدارة المال العام جزءاً من توازنات معقدة تتداخل فيها الحسابات السياسية مع المتطلبات الاقتصادية

المشكلة الحقيقية لا تكمن في حجم الثروة التي يمتلكها العراق وإنما في كيفية توظيفها وتحويلها إلى مشروع تنموي مستدام فالدول لا تُقاس بقيمة مواردها الطبيعية فقط انما بقدرتها على إدارة تلك الموارد وصناعة مستقبل اقتصادي قادر على الصمود أمام المتغيرات والثروة النفطية مهما بلغت لا تضمن الاستقرار ما لم تتحول إلى استثمارات منتجة وبنية اقتصادية متماسكة

لهذا يبقى ساسون حسقيل حاضراً في الذاكرة العراقية بوصفه رمزاً لفكرة الدولة التي تعاملت مع المال العام باعتباره أمانة وطنية لا مورداً مؤقتاً وبين زمن التأسيس وزمن الوفرة النفطية تبرز حقيقة ثابتة مفادها أن قوة الاقتصاد لا تُبنى بحجم الإيرادات وحده وإنما بحسن إدارتها وبقدرة الدولة على تحويل الثروة إلى تنمية والعائدات إلى مستقبل والموارد إلى مشروع وطني طويل الأمد

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.