هل كان أدولف هتلر اشتراكيًا؟

علي الاعلاميمنذ ساعتينآخر تحديث :
Screenshot
Screenshot

تشير الدلائل أن هتلر كان مناهضًا للرأسمالية واشتراكيًابالمعنى الحديث للكلمة.

بقلم: الدكتور مهند طالب الحمدي

أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة ولاية كنساس، الولايات المتحدة الأمريكية

 

بدا الادعاء بأن أدولف هتلر كان اشتراكيًا موضوعًا متكررًافي منشورات إيلون ماسك على منصة إكس خلال الأشهرالأخيرة. وقد لاقى هذا الادعاء تأييدًا واسعًا وانتقاداتٍلاذعة على المنصة في الوقت نفسه، إلا أن قلةً من المشاركينفي النقاش قد درسوا المسألة بجدية. ويشير منتقدو هذا الادعاء إلى أن وسائل الإنتاج لم تُؤمّم في ألمانيا النازية. كما يُحاججون بأن سجن هتلر للشيوعيين والاشتراكيينالديمقراطيين في معسكرات الاعتقال يُفنّد هذا الرأي.

 

وتبدو هذه الحُجة الثانية غير مقنعة. فقد أمر جوزيف ستالين أيضًا بقتل عشرات الآلاف من رفاقه الشيوعيين،ووصف الكثير منهم بـ”التروتسكيين” أو “العملاءالفاشيين” لكنه يبقى رمزًا اشتراكيًا دون جدال. ولكن ماذاعن الادعاء بأن وسائل الإنتاج لم تُؤمّم على نطاقٍ واسع فيألمانيا النازية؟

 

بالنسبة للاشتراكية التقليدية، القائمة على تعاليم كارلماركس، يُعد تأميم وسائل الإنتاج هدفًا مركزيًا. لكنالاشتراكية النازية كانت شكلًا من أشكال الاشتراكيةالحديثة التي اتخذت نهجًا مختلفًا.

 

في أيار (مايو) 1937، أعلن هتلر أنه حدد للقطاع الصناعي الألماني ما يجب عليه إنتاجه بموجب الخطةالرباعية. وإذا عجز القطاع الصناعي عن ذلك، فسيتولىهو الأمر بنفسه، لكن لا بد من إنجازه. أما إذا امتثلالقطاع الصناعي لإرادته، فسيسعده عدم اضطراره لتوليالأمر بنفسه.

 

تبين للصناعيين الألمان أن تصريحات هتلر لم تكن مجردتهديدات جوفاء، في تاريخ 23 تموز (يوليو) 1937، عندماأعلن هيرمان غورينغ، أحد أبزر قادة الحزب النازي، عنتأسيس شركة هيرمان غورينغ لتعدين الخامات وصهرالحديد. أدى التطور الذي بدأ بتهديدات هتلر وغورينغالمُتكررة في نهاية المطاف إلى إنشاء مصانع هيرمانغورينغ، التي بلغ عدد موظفيها 600 ألف شخص بحلولعام 1940. وأصبح مصنع سالزغيتر للحديد والصلب أكبرمصنعٍ في أوروبا.

 

أدرك بعض المُنظّرين، من اليسار والليبراليين على حدٍسواء، منذ أربعينيات القرن العشرين، أن الاشتراكيةالقومية تمثل شكلًا جديدًا من أشكال مناهضة الرأسمالية. وكان الاقتصادي وعالم الاجتماع فريدريك بولوك قد حصلعلى درجة الدكتوراه عن أطروحته حول نظرية كارل ماركسفي النقود، وكان أحد مؤسسي معهد البحوث الاجتماعيةفي فرانكفورت. وكان لودفيج فون ميزس، إلى جانبفريدريك أوغست فون هايك، من أبرز ممثلي المدرسةالنمساوية للاقتصاد. وقد عارض كلاهما الاشتراكية القوميةبشدة، واضطرا للهجرة إلى الولايات المتحدة في مواجهة المد النازي.

 

في مقالٍ نُشر عام 1941 حول النظام الاقتصاديللاشتراكية القومية، أقرّ فريدريك بولوك باستمرار المؤسسةالقانونية للملكية الخاصة، لكنه حاجج بأن وظيفتها الفعليةقد تغيّرت جذريًا. وبعبارةٍ أخرى، فإن هذا يُعدّ بمثابة”تدميرٍ لجميع السمات الأساسية للملكية الخاصة،باستثناء أمر واحد، ألا وهو سند المُلكية”. وأشار إلى أنحتى أكبر الشركات قد فقدت حقّها في تحديد وجهةاستثماراتها أو توقيت إيقاف الإنتاج غير المُربح؛ إذ نُقلتهذه الحقوق فعليًا إلى الفئات الحاكمة.

 

يُعدّ هذا أحد أوضح التحليلات للبُنية الاقتصاديةللاشتراكية القومية، ويتوافق مع ما كتبه لودفيج فون ميزسفي صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 21 حزيران (يونيو) 1941. حاجج لودفيج ميزس بأن النظام الاشتراكيالألماني، أو ما يُعرف بـ”الاقتصاد القسري”، احتفظ ببعضالمؤسسات الرأسمالية اسميًا فقط. فقد استمرت الملكيةالخاصة رسميًا، لكن رواد الأعمال قد حُوصروا فعليًا وتم تحويلهم إلى مجرد مديري متاجر، بينما تُحدّد الحكومة مايُنتجونه وكيف يُنتجونه، فضلًا عن تحديد الأسعار والشركاءالتجاريين. لخّص هتلر النظام بأنه “اشتراكية ذات مظهرٍرأسمالي”، أي تخطيطٌ شامل وسيطرة حكومية علىالنشاط الاقتصادي، مع الاحتفاظ بمسميات اقتصادالسوق.

 

ابتداءً من عام 1940 على أبعد تقدير، أصبح هتلر مؤيدًامتزايدًا للاقتصاد المُخطط من قبل الدولة، ويعود ذلك جزئيًاإلى اقتناعه بتفوق الاتحاد السوفيتي ونظامه الاقتصاديحينذاك. في خطاباته أمام دائرته المقربة (المعروفة باسم”محادثات المائدة”) في 27 و28 تموز (يوليو) 1941، قالهتلر: “لا يمكن تحقيق الاستخدام الأمثل لسلطات الأمة إلامن خلال اقتصادٍ مُخطط من الأعلى”. وبعد نحو أسبوعين،أشار إلى أن التخطيط الاقتصادي لا يزال في مراحلهالأولى، وتصوّر بناء نظامٍ اقتصادي ألماني وأوروبي شامل.

 

إنّ القول بأن التخطيط الاقتصادي لا يزال في مراحلهالأولى مهم لأنه يُظهر أن هتلر لم يكن يفكر إطلاقًا فيتقليص تدخل الدولة، ولا حتى بعد الحرب، بل على العكس،كان ينوي توسيع نطاق سيطرة الدولة على الاقتصاد. وهذا هو الوجه الآخر للنظام الاقتصادي الاشتراكي.

 

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات