د. جواد التونسي
هناك لحظات تعود بنا الذاكرة إلى زمنٍ كانت فيه العروبة أكثر من مجرد شعار، وكانت الأوطان تسكن القلوب قبل أن تسكن الخرائط، وكان الانتماء للوطن قيمة لا تخضع للمساومة أو الحسابات السياسية والحزبية والطائفية، كلما تذكرت الأغنية الوطنية المصرية الخالدة ” وطني حبيبي وطني الأكبر” ، التي قادها موسيقياً الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب، وصدحت بها أصوات عربية كبيرة، مثل صباح وفايدة كامل وعبد الحليم حافظ وشادية ونجاة الصغيرة ووردة الجزائرية، أشعر بأننا أمام مدرسة وطنية وإنسانية تجاوزت حدود الغناء والطرب، كانت تلك الأصوات تجتمع على رسالة واحدة، وتردد بحب وفخر” وطني حبيبي وطني الأكبر” ، لم تكن الأغنية مجرد لحن جميل، بل كانت تعبيراً عن حلم عربي كبير، وعن شعوب أرادت أن ترى نفسها في وطن واحد يجمعها التاريخ واللغة والمصير المشترك، ومن هنا نستعيد صفحات من تاريخ العراق، حين كان الجندي العراقي يحمل سلاحه دفاعاً عن قضايا أمته، وشارك الجيش العراقي في محطات الصراع العربي الإسرائيلي، ومنها حروب عامي 1948 و1967 و1973، مقدماً التضحيات إلى جانب الجيوش العربية، وقد كانت تلك المشاركة تعبيراً عن مفهوم سائد آنذاك، يرى أن أمن الأمة العربية مترابط، وأن الدفاع عن الأرض والكرامة مسؤولية تتجاوز الحدود الجغرافية، ولم يكن حب الوطن بالنسبة إلى أجيالنا مجرد كلمات نرددها في المناسبات ، فقد تعلمنا في درس التربية الوطنية أن العراق أولاً، وأن العلم رمز السيادة، وأن الوطن بيت الجميع، وأن المواطن مهما اختلفت قوميته أو طائفته أو انتماءاته السياسية، يبقى شريكاً في الأرض والمصير والحقوق والواجبات، أتذكر أيضاً كلمات الشاعر التي طالما رددناها ” بلادُ العربِ أوطاني…من الشامِ لبغدانِ ومن نجدٍ إلى يمنٍ…إلى مصرَ فتطوانِ، كانت هذه الأبيات تختصر حلماً بالوحدة والتآخي، وتزرع في نفوسنا شعوراً بأن الأوطان العربية، رغم اختلاف حدودها، تجمعها روابط التاريخ والثقافة والوجدان، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو أين ذهبت تلك الروح؟ ، ولماذا أصبح الاختلاف السياسي والحزبي والطائفي قادراً على تقسيم أبناء الوطن الواحد؟ ولماذا بات البعض ينظر إلى الوطن من نافذة الحزب أو الطائفة أو المصلحة الشخصية، بدلاً من النظر إليه بوصفه المظلة التي تحمي الجميع؟، إن الوطن ليس ملكاً لحكومة، ولا لحزب، ولا لزعيم، ولا لمليشيا وقحة ، ولا لجماعة بعينها، الوطن ملك أبنائه جميعاً” للعامل والفلاح والجندي والمعلم والطبيب والصحفي والمتقاعد والفقير والغني ” ، وهو ليس ملكاً لمن يتصدر المشهد السياسي اليوم، لأن الحكومات تتغير والوجوه تتبدل، أما الوطن فيبقى، إن حب العراق لا يعني الاختلاف مع الآخرين، ولا يعني إلغاء خصوصيات الشعوب العربية، بل يعني أن نؤمن بأن احترام الأوطان وسيادتها وكرامة شعوبها هو الأساس الحقيقي لأي مشروع عربي مشتر، نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للتربية الوطنية، وإلى تعليم أبنائنا أن العلم العراقي ليس قطعة قماش ترفع في الاحتفالات، بل رمز لتاريخ وتضحيات ودماء وأحلام ملايين العراقيين، وأن حب العراق لا يُقاس بالهتافات، وإنما بالعمل والإخلاص والنزاهة والدفاع عن حقوق الناس وصيانة ثروات البلاد، ” وطني حبيبي” ليست مجرد أغنية أو اوبريت نستعيدها من ذاكرة الزمن، بل رسالة ينبغي أن تبقى حية في ضمائرنا، فالأحزاب تذهب، والمناصب تزول، والاختلافات تنتهي، لكن الوطن يبقى البيت الأول والأخير، وتبقى كرامته فوق المصالح، وسيادته فوق الحسابات، ومصلحة شعبه فوق كل الميول والاتجاهات، فليكن شعارنا جميعاً هو العراق أولاً، والعراق للجميع، ولا وطن لنا من دون وطننا.











