ألمانيا: الدولة الأولى في العالم في إهدار الأموال عندما يتعلق الأمر بالمساعدات التنموية

علي الاعلاميمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
ألمانيا: الدولة الأولى في العالم في إهدار الأموال عندما يتعلق الأمر بالمساعدات التنموية

بقلم: الدكتور مهند طالب الحمدي

أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة ولاية كنساس، الولايات المتحدة الأمريكية

 

رغم أن ألمانيا عانت لسنواتٍ من نقص التمويل اللازملتحقيق هدفها المتمثل في إنفاق ما لا يقل عن 2% منناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، إلا أنها تتصدرالعالم في الإنفاق على المساعدات التنموية. فقد أنفقتألمانيا رسميًا ما يقارب 37 مليار دولار على المساعداتالتنموية في عام 2023، لتحتل بذلك المرتبة الثانية بعدالولايات المتحدة التي أنفقت 66 مليار دولار. ومع ذلك،وبالنظر إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدةفي عام 2023 كان أعلى بست مرات من نظيره الألماني،فإن ألمانيا تتصدر القائمة بسهولة. إضافةً إلى ذلك،ساهمت مؤسسات الاتحاد الأوروبي بمبلغ 27 مليار يوروأخرى في المساعدات التنموية، وكانت ألمانيا أكبرالمساهمين، ويجب احتساب هذا الإنفاق وإضافته إلى مبلغ37 مليار دولار. والآن، مع قيام الرئيس ترامب بخفض(وربما إنهاء) تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بشكلٍجذري، تستعد ألمانيا لاحتلال الصدارة عالميًا من حيثالقيمة المُطلقة.

 

في أي مشاريع تُستخدم أموال ألمانيا؟ هنا بعض الأمثلة: تموّل ألمانيا “بناء القدرات والتدريب على قضايا النوعالاجتماعي لمنظمات المجتمع المدني المحلية والعاملينالاجتماعيين في إحدى مقاطعات الصين”، و”شبكة للتعليمالتحويلي القائم على النوع الاجتماعي” في أفريقيا. لتعزيزالمجتمع المدني في الكاميرون، خُصص 21 مليون يورولمبادراتٍ تحويلية تُعنى بالنوع الاجتماعي حتى عام 2028.

 

وتُستخدم أموال دافعي الضرائب الألمان لتمويل “التوعيةبالتنمية السياسية”. في عام 2024، أُنفِقَ ما يقارب 43 مليون يورو على هذا الهدف. ومن بين المبادرات التيتدعمها هذه الأموال، الترويج لـ”لجولات مناهضة الاستهلاكفي المدن”. يُروّج مناصرو “مجموعة العالم الواحد” بنشاطٍلهذه الأنشطة التوعوية، حيث يُعرّفون هذه الجولات بأنها”جولاتٌ تُعنى بالعولمة، والاستهلاك المستدام، ومرحلة ما بعدالنمو، ونقد الرأسمالية”. تُعدّ جولات مناهضة الاستهلاك في المدن جولاتٍ إرشادية تهدف إلى رفع مستوى الوعيبآثار سلوك المستهلك ومشاكله، وتُحلّل بشكلٍ نقدي كيفيةتأثير الاستهلاك على المشهد الحضري والبيئة والبنيةالاجتماعية. والهدف هو رفع مستوى وعي المشاركينبممارساتٍ استهلاكية أكثرُ استدامة ومسؤولية. تُنظّم هذهالجولات وتُشرف عليها جهاتٍ مختلفة.

 

وبالطبع، تُعتبر هذه المبالغ ضئيلة للغاية مقارنةً بنفقاتٍأخرى. في عام 2020، خُصص مبلغ مبدئي قدره 20 مليون يورو لتوسيع شبكة مسارات الدراجات الهوائية فيليما، عاصمة بيرو. تبع ذلك، بعد عامين، في عام 2022،تخصيص مبلغ إضافي قدره 24 مليون يورو لمساراتالدراجات الهوائية في مدن بيروفية أخرى. وتتولى إدارةهذه الأموال مؤسسة التمويل الألمانية الحكومية، التي تتولىتخطيط وتنفيذ المشروع بالتعاون مع إدارة مدينة ليما.

 

ووفقًا لتقريرٍ نشرته صحيفة فرانكفورتر أليمانيا تزيتونغ،التي اطلعت على مسارات الدراجات الهوائية ضمن تقريرٍميداني في مدينة ليما، فإن الهدف هو إنشاء شبكة منمسارات الدراجات تمتد على مسافة إجمالية قدرها 114 كيلومترًا. إلا أنه حتى الآن، لم يُنجز سوى 5.5 كيلومتراتفقط من هذا المشروع الطموح، بحسب الصحيفة نفسها.

 

وصف كاتبُ صحيفة فرانكفورتر أليمانيا تزيتونغ الموقعقائلًا: “يمتد مسار الدراجات الجديد ذو المسارين علىطول الجزيرة الوسطى بين طريقين سريعين مستقيمينتمامًا، وهو واسعٌ بما يكفي لمرور دراجتين جنبًا إلى جنب،ومحاطٌ بأرصفةٍ مطلية باللون الأصفر. إنه مسارٌ رائعللدراجات، وكنا نحن الوحيدين فيه.” ومع ذلك، ووفقًاللكاتب، نادرًا ما يُستخدم مسار الدراجات: “في الساعةالرابعة عصرًا، يكاد لا يُرى أي راكب دراجة. في المقابل،يزداد ضجيج ورائحة الحافلات والسيارات وعربات التوكتوك وهي تمر مسرعةً من حولنا يمينًا ويسارًا، على مسافةٍمعقولة.”

 

كما خصصت وزارة الشؤون الاقتصادية وحماية المناخالألمانية 4.6 مليون يورو لتمويل مشروع “الثلاجاتالصديقة للبيئة” في كولومبيا. وتُضخ الأموال أيضًا فيمشاريع الطاقة المتجددة في تشيلي (1.7 مليون يورو)،وإنتاج الأرز منخفض الانبعاثات في تايلاند (8.1 مليونيورو)، وتجديد المباني السكنية في منغوليا لترشيداستهلاك الطاقة (6.2 مليون يورو).

 

تُستخدم أموال دافعي الضرائب الألمان أيضًا لإنشاء إدارةٍضريبية حديثة في الكاميرون (خمسة ملايين يورو)،ولحماية البيئة على مستوى البلديات في كولومبيا (80.5 مليون يورو)، ولتوسيع أنظمة النقل العام الصديقة للبيئة فيأمريكا اللاتينية (106.5 مليون يورو).

 

كما تحظى قضايا التنوع البيولوجي في باراغواي (ستةملايين يورو) وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي فيمدينة تمبكتو شمال دولة مالي (24.5 مليون يورو) باهتمامٍبالغ من الوزارة. وينطبقُ الأمر نفسه على برامج التدريبعلى قضايا النوع الاجتماعي في الصين، ومشروع”الرجولة الإيجابية” في رواندا، وكلاهما ممولٌ من أموال دافعي الضرائب الألمان.

 

يتضمن أحد مشاريع الوزارة الاتحادية للتعاون الاقتصاديوالتنمية إنفاق 8.5 مليون يورو على مشروع “المساجدوالمباني الخضراء في المغرب”، والذي يشمل تزويد المساجدبإضاءة حديثة وألواحٍ شمسية. وقد تم بالفعل تحديث أكثرمن مئة مسجد لرفع كفاءة استهلاك الطاقة، كما تم تمويلبناء “مسجد موفر للطاقة” في مدينة تادمانت وهي من نواحي مقاطعة تاردوانت المغربية. وبحسب الوزارة، يخدمالمشروع غرضًا آخر أيضًا: “ثانيًا، يستخدم المشروعحملاتٍ إعلامية لرفع مستوى الوعي بين أبناء الشعبالمغربي من خلال تدريب كوادر مؤثرة، بمن فيهم الأئمةوالمرشدات الدينيات”.

 

هذه مجردُ أمثلةٍ قليلة على استخدام أموال دافعي الضرائب الألمان دون أن يعلموا أن تنفق أموالهم ولا حتى المنافع التي تتحقق من إنفاقها سواء بالنسبة لهم أو سكان الدول التي تنفق فيها. ولكن حتى عندما تُوجّه الأموال نحو مشاريعتبدو منطقية للوهلة الأولى، وليست ذات طابع أيديولوجي،فإنّ المساعدات التنموية غالبًا ما تُهمل، بل قد تُفضي إلىعواقب سلبية غير مقصودة، كما يتبين ذلك من عددٍ كبير منالدراسات العلمية.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات