المهندس_علي_جبار
تلوث الشاشات: كيف تحولت 10 آلاف حلقة سياسية إلى مجزرة للوعي العراقي؟
بينما تُنتج أعتى القنوات العالمية (كالبريطانية بـ 2–5 برامج يومياً، والألمانية بـ 5–7، والسعودية بـ 1–4) محتوى سياسياً (برامج سياسية حوارية) مكثفاً وموزوناً،
تغرق الشاشات العراقية الشارعَ وفق تقديرات الرصد الإعلامي بأكثر من 20–30 برنامجاً سياسياً يومياً (ما يتجاوز 10 آلاف حلقة سنوياً).
هذا التضخم الرقمي ليس مؤشراً على حيوية الديمقراطية، بل هو تلوث إعلامي واستهلاك مفرط للوعي الجمعي؛ حيث تحولت الشاشات من منصات للتحليل إلى ميادين لـ”التناطح” والتهريج.
سقوط المعايير: كيف يُصنع الفراغ؟
تستند المؤسسات الرصينة إلى ثلاثة أركان صلبة في اختيار الضيف، نسختها الفوضى المحلية بالكامل:
1. التخصص مقابل الصوت العالي: المؤسسة العالمية تسأل “هل يضيف الضيف معرفة؟”، بينما يسأل الإعلام المحلي “من يُشعل الحلقة أكثر؟”.
2. التحليل العميق مقابل التكرار الببغائي: الإعلام المحترف يفرّق بين المحلل الذي يفكك المشكلة ويطرح حلولاً، وبين “السياسي” الذي يكتفي باجترار الخطاب الحزبي.
3. الملاءمة مقابل الوجاهة: المعيار العالمي هو “لماذا هذا الضيف تحديداً لهذه القضية؟”، بينما المعيار المحلي هو “من يستقطب مشاهدات أكبر حتى لو بلا محتوى؟”.
النتيجة الكارثية
غياب المهنية حوّل آلاف الساعات التلفزيونية إلى غسيل أفكار، وتدوير للأزمات، وتسطيح للرأي العام. عندما يُستبدل “التحليل” بـ”التسقيط”، و”الخبراء” بـ”المهرجين”،
فإن الإعلام لا يفقد وظيفته التنويرية فحسب، بل يتحول إلى أداة لتزييف الوعي وتخريب ذائقة الشارع.
هذا الطرح لا يمثل تعميماً على جميع البرامج والقنوات، فهناك نماذج إعلامية متميزة تستحق التقدير، لكنه يسلّط الضوء على الصورة العامة الطاغية في جزء كبير من المشهد السياسي الفضائي، حيث غلب الجدل على حساب الوعي والمعرفة.











