المعارضة التي تحتاج إلى وعي حين تتحول معارضة الحكومة إلى معارضة للعراق

علي الاعلامي11 سبتمبر 2026آخر تحديث :
المعارضة التي تحتاج إلى وعي حين تتحول معارضة الحكومة إلى معارضة للعراق

بقلم : حسين الأسدي

كنتُ في أحد الكروبات العراقية التي تطرح نفسها كمساحة للمعارضة لكن بصراحة لاحظت أن بعض المنشورات لا ترى في العراق إلا الظلام لا بصيص أمل ولا حديث عن أي جانب إيجابي بينما الاهتمام الأكبر بما تقوله إيران وما يحدث في اليمن وسوريا وغيرها وكأن العراق صار آخر الاهتمامات.والبعض منهم يكتب بطائفية مقيته والبعض عايش على امجاد الماضي والبعض ناس يفتهمون جداً واكاديميون ويعرفون مايجري في البلد والبعض الأكبر متفرج على مايكتبون هؤلاء

والبعض اعترضوا عندما كنت أكتب: ( محتاجين وعي ) وقلت لهم: حتى الوعي السياسي يحتاج إلى وعي لأن الوعي مو مسبة والإنسان يحتاجه بكل لحظة وكل يوم مهما كان عمره أو خبرته. حيث قال الفيلسوف والروائي والكاتب المسرحي والناشط السياسي الفرنسي جان بول سارتر ( ان الوعي ليس أصلاً ولكنه مهمة )

ولهذا فضّلت الانسحاب من هذا الكروب .

لأنني أؤمن أن معارضة الحكومة حق لكن معارضة العراق ليست حقاً… والعراق أولى بوعينا

المعارضة الحقيقية ليست شتيمةً للحكومة ولا تشويهاً لصورة الوطن ولا استعراضاً للخصومة على مواقع التواصل الاجتماعي. المعارضة مسؤولية أخلاقية ووطنية قبل أن تكون موقفًا سياسيًا.

من يريد أن يعارض الحكومة عليه أن يمتلك وعيًا سياسياً وشجاعةً أخلاقية وصدقًا مع الجمهور. عليه أن يضع إصبعه على الجرح وأن يقول للفاسد: أنت فاسد وللمخطئ: أنت مخطئ وللمسؤول المقصر: أين واجبك؟  لكن عليه في الوقت نفسه أن يكون منصفاً فيعترف بالإنجاز عندما يتحقق حتى لو كان من أنجزه خصمه السياسي.

فكيف تريد من الجمهور أن يثق بمعارض لا يرى في العراق إلا الخراب؟

هل أصبح العراق في نظر بعض المعارضين بلداً بلا شعب وبلا تاريخ وبلا إنجاز وبلا أي جانب مضيء؟

ليس من الوطنية أن تسوّق للناس أن وطنك كله ظلام.

العراق ليس حكومة فقط وليس حزباً أو تياراً أو مسؤولاً. العراق شعبٌ عانى وصبر وضحّى وواجه الحروب والإرهاب والفساد والأزمات وما زال يبحث عن دولة تليق به.

المعارض الشريف لا ينتقم من وطنه بسبب خلافه مع حكومته.

إذا كانت هناك مشاريع ناجحة فليعترف بها. وإذا كانت هناك أخطاء فليحاسب المسؤول عنها وإذا كان هناك فساد فليفتح ملفاته بالأدلة وإذا كان هناك ظلم فليدافع عن المظلوم.

أما أن تتحول المعارضة إلى ماكينة لتسويق كل ما هو مظلم وإخفاء كل ما هو إيجابي فهذه ليست معارضة سياسية ناضجة إنها خصومة عمياء مع الواقع.

لماذا تتركون العراق وتتحدثون عن الآخرين؟

السؤال الذي يجب أن يُطرح على بعض المعارضين:

لماذا تعرفون تفاصيل أزمات إيران واليمن وسوريا ولبنان أكثر مما تعرفون تفاصيل معاناة العراقي في مدينتكم؟

لماذا تتحول صفحاتكم إلى ساحات للصراع الإقليمي بينما الفساد الإداري والمالي والبطالة والخدمات والقضاء على المحسوبية وحماية المال العام وحقوق المواطن كلها ملفات عراقية تنتظر من يتبناها؟

العراقي أولى بوعيكم من مشاكل الآخرين.

انتقاد أي دولة حق لكن عندما يصبح الخارج هو القضية الأولى ويصبح العراق مجرد هامش فعلينا أن نسأل: لمن تُوجَّه هذه المعارضة؟

الطائفية ليست معارضة

من أخطر ما يمكن أن تفعله المعارضة أن تستثمر في الطائفية.

أن تذكّر الناس كل يوم بمن ينتمي إلى هذه الطائفة أو تلك وأن تبحث عن جرح قديم لتعيد فتحه ثم تسمي ذلك ( وعيًا سياسياً ) فهذا ليس وعياً.

العراق لا يحتاج إلى من يعيد إنتاج الانقسام.

العراق يحتاج إلى خطاب يقول للعراقي:

أنت عراقي أولًا.

ولا يمكن بناء دولة قوية بعقلية  ( نحن وهم ) ولا يمكن مواجهة الفساد إذا تحولت كل قضية إلى معركة طائفية.

شرف الخصومة… أين ذهب؟

أن تختلف معي سياسياً لا يعني أنك عدوي.

أن تنتقدني لا يعني أن تشوه سمعتي.

أن أختلف معك لا يمنحني الحق في السب والشتم والتشهير.

شرف الخصومة هو أن تواجه الفكرة بالفكرة والحجة بالحجة والوثيقة بالوثيقة.

أما تحويل الخلاف السياسي إلى إساءة شخصية فهذا دليل ضعف لا دليل قوة.

المعارض الحقيقي لا يحتاج إلى الشتيمة حتى يقنع الجمهور لأن لديه مشروعا وأرقاماً ووثائق وحلولا.

لا أحد يفهم كل شيء

ومن أكثر ما يضر بالمعارضة أن يتحول صاحب الرأي إلى شخص يعتقد أنه يفهم في السياسة والاقتصاد والقانون والإعلام والأمن والتاريخ وكل شيء!

وحين ينتقده أحد يغضب.

وحين تختلف معه يتهمك.

وحين تنصحه يعتبر النصيحة مؤامرة.

وحين تقول له: ( أنت بحاجة إلى تطوير خطابك السياسي ) يرفض الفكرة وكأن الوعي السياسي شهادة تُمنح مرة واحدة ولا تحتاج إلى تطوير.

كلنا نحتاج إلى وعي.

والسياسي قبل غيره يحتاج إلى أن يتعلم ويستمع ويراجع نفسه ويعترف بالخطأ.

الوعي السياسي ليس أن تعرف كيف تهاجم خصمك بل أن تعرف متى تنتقده وكيف تنتقده ولماذا تنتقده وما البديل الذي تقدمه للناس.

الجمهور ليس غبيًا

لا تستهينوا بعقول العراقيين.

الجمهور يستطيع أن يميز بين المعارض الذي يريد إصلاح البلد والمعارض الذي يريد الشهرة وبين من يحارب الفساد ومن يستثمر بالفساد سياسياً وبين من يدافع عن الشعب ومن يستخدم الشعب وقوداً لمعركته.

الجمهور يريد من يقول له الحقيقة لا من يصرخ في وجهه طوال الوقت.

يريد معارضة تقدم حلولاً لا معارضة تكتفي بتعداد الكوارث

يريد من يقول:

هذا خطأ الحكومة… وهذا إنجازها.

هذا فساد… وهذه وثيقته.

هذا تقصير… وهذا الحل.

وهذه مسؤولية الوزير… وهذه مسؤولية البرلمان… وهذه مسؤولية المعارضة نفسها.

هنا تبدأ المعارضة الحقيقية.

العراق أكبر من خصوماتكم

أيها المعارضون…

عارضوا الحكومة كما تشاؤون لكن لا تعارضوا العراق.

اكشفوا الفساد حاربوا المحسوبية دافعوا عن المظلوم طالبوا بدولة القانون راقبوا المال العام وانتقدوا الأداء الحكومي بكل قوة.

لكن لا تجعلوا من فشل مسؤول سبباً لتشويه وطن بأكمله.

ولا تجعلوا من اختلافكم مع سياسي سبباً لتمزيق المجتمع.

ولا تجعلوا من الطائفية سلعة سياسية.

ولا تجعلوا من السب والشتم بديلاً عن الحجة.

العراق يستحق معارضة وطنية ناضجة لا معارضة تعيش على الكراهية.

وشعب العراق الذي قاتل الإرهاب وصبر على الأزمات وتحمل الكثير وواصل الحياة رغم كل الجراح يستحق خطاباً يحترم عقله وكرامته.

محتاجين وعي… نعم.

لكن الوعي لا نطلبه من الحكومة وحدها.

المعارضة أيضًا محتاجة وعي.

وعيٌ يجعلها خصماً شريفاً وصوتاً صادقاً ورقيباً نزيهاً ومشروعاً وطنياً.

فمن لا يستطيع أن ينتقد نفسه لن يستطيع أن يصلح وطناً.

ومن لا يرى في العراق إلا الظلام عليه أن يسأل نفسه قبل أن يسأل الآخرين:

هل أنا أعارض الحكومة من أجل العراق… أم أعارض العراق لأنني أختلف مع الحكومة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.