في زاوية صغيرة من منزل عراقي متعب، تجلس بنات المقدم أسعد حميد الحريشاوي، يقلّبن صوراً قديمة لوالدهن. صورٌ يظهر فيها هيبته العسكرية، وابتسامته التي كانت تملأ البيت أماناً قبل عام 2020. منذ ست سنوات، والملابس العسكرية للوالد معلقة في خزانته، تفوح منها رائحة الذكريات، وتنتظر جسداً نحلته السجون وغيبته الغربة.
هذه ليست مجرد قضية سياسية أو دبلوماسية، إنها قصة إنسانية تنزف تفاصيلها كل يوم في قلب عائلة عراقية، فُجع رأسها وأُخذ منها على حين غرة، ليعيش بناته في حيرة وخوف وانتظار مرير لا ينتهي.
عندما يتحول الدفاع عن الوطن إلى “تُهمة” في الغربة
خرج المقدم أسعد من بغداد ممتلئاً بالطمأنينة، يحمل موافقة وزارة الداخلية الرسمية، قاصداً بيت الله الحرام لأداء مناسك العمرة. ذهب ليشكر الله على نجاته وعلى النصر الذي ساهم في تحقيقه مع زملائه في معارك تحرير سامراء والخالدية ضد تنظيم داعش الإرهابي.
لكن رحلة العودة تحولت إلى كابوس مستمر منذ ست سنوات. ففي عام 2020، صودر هاتفه الشخصي، وبدلاً من تكريمه على شجاعته، عُومل كمتهم لأن هاتفه احتوى على مقاطع فيديو يرتدي فيها بزته العسكرية الرسمية ويقاتل الإرهاب!
مقاطع الشرف والبطولة التي يفتخر بها كل عراقي غيور، أصبحت هي السبب في حرمان بناته منه منذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا في عام 2026.
بناتٌ يكبرن بلا أب.. ومناشدة تهز الضمائر
أي وجع يعيشه أب وراء القضبان وهو يعلم أن بناته يكبرن يوماً بعد يوم بعيداً عن عينيه؟ من يعوضهن عن حنان الأب؟ من يمسح دموعهن في أوقات نجاحهن أو انكسارهن؟
بنات المقدم أسعد الحريشاوي يوجهن اليوم رسالة صامتة ومؤلمة من خلال دموعهن إلى كل صاحب غيرة في الدولة العراقية:
”أبونا لم يكن مهرباً، ولم يكن إرهابياً، ولم يدخل دولة أخرى غدراً. أبونا ضابط عراقي دافع عن أعراض العراقيين وعن مقدساتهم، وذهب بموافقة دولته.. فلماذا تتركونه وحيداً؟”
بينما يرى الشارع العراقي كيف تتحرك دول أخرى بجيوش دبلوماسية وإعلامية هائلة لإخراج مواطنيها المحكومين بقضايا ثقيلة، تقف عائلة الحريشاوي متسائلة بحرقة: أين هي الغيرة العراقية؟ أين كرامة الجندي والضابط العراقي لدى حكوماتنا؟
نداء إنساني عاجل: لا تكسروا ظهر عائلته
إننا اليوم لا نطالب بصفقة سياسية، بل نطالب بحق إنساني وقانوني وأخلاقي. نتوجه بهذا النداء الإنساني إلى السيد رئيس مجلس الوزراء، وإلى وزير الخارجية، ووزير الداخلية:
انظروا إلى هذه القضية بعين الأبوة قبل عين المسؤولية. ست سنوات كافية جداً من الوجع والانتظار. أعيدوا للمقدم أسعد حريته، وأعيدوا لبناته الأمان الذي فُقد بغيابه. لا تتركوا عائلة مقاتل عراقي تتدور وجعاً وتعيش انكسار اليتم ووالدهم على قيد الحياة.
لقد حان الوقت لكي تحلق طائرة عراقية عاجلة، لا تحمل وعوداً ولا شعارات، بل تحمل المقدم أسعد الحريشاوي ليعود إلى حضن بناته وعائلته مرفوع الرأس، ليعلم الجميع أن ظهر المقاتل العراقي لا يُكسر، وأن دولته لا تنسى أبناءها. المعتمدة ….











