من نمتدحه اليوم سنهاجمه غدا، لماذ ننشر غسيلنا الوسخ، بقلم : د.عزيز جبر الساعدي

علي الاعلامي31 مايو 2026آخر تحديث :
من نمتدحه اليوم سنهاجمه غدا، لماذ ننشر غسيلنا الوسخ، بقلم : د.عزيز جبر الساعدي

من المفارقات التي تتكرر كثيراً في حياتنا؛ حين تتعارض المصالح الشخصية مع مصالح الآخرين، يسقط بعض الناس في فخ كشف العيوب والأسرار، وكأن الخلاف يمنحهم حق التشهير أو الانتقاص. وما ينسونه أن الأرزاق لا تُنتزع من أحد، وأن ما كُتب للإنسان سيأتيه مهما اشتدت المنافسة أو كثرت الخصومات.

الإنسان الواثق من نفسه ومن رزقه لا يحتاج إلى نشر “الغسيل الوسخ”، لأنه يدرك أن نجاح الآخرين لا ينتقص من نجاحه، وأن المكانة الحقيقية تُبنى بالأخلاق والمواقف لا بتتبع العثرات. أما من يضيق صدره بما يناله غيره، فإنه يبحث عن وسيلة لتبرير غضبه أو حسده، فيستحضر ما كان يخفيه بالأمس ويجعله سلاحاً اليوم.

ويبقى السؤال الأهم: متى نشعر أن من يمثلنا هو القدوة؟

نشعر بذلك عندما يكون ثابتاً على مبادئه في الرضا والغضب، وعندما لا تتغير أخلاقه بتغير المصالح، فلا يمدح اليوم من سيهاجمه غداً، ولا يستر العيوب حين ينتفع ثم يفضحها حين يختلف. القدوة هو من يحترم الناس حتى في خصومته معهم، ويجعل الحقيقة فوق المصلحة، والضمير فوق المكاسب العابرة.

فما أحوجنا إلى أشخاص يذكروننا بأن الحياة ليست سباقاً لإسقاط الآخرين، بل رحلة لإثبات قيمتنا بما نقدمه من خير وجمال. وحين ندرك أن الأرزاق بيد الله، وأن السمعة الطيبة أثمن من أي مكسب مؤقت، سنكف عن نبش العيوب، وسنبحث بدلاً من ذلك عن بناء ما ينفع الناس ويبقى أثره.

“ليس عظيماً من يكشف عيوب خصومه عند الخلاف، بل عظيماً من يحفظ أخلاقه حين يختلف معهم.”

“ولعل المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم، بل تمتد إلى كل من يتصدى لتمثيل الناس أو إدارة شؤونهم. فالمسؤول الحقيقي لا يفرق بين فئات المجتمع وشرائحه باسم المصلحة أو الترويج لشخصه أو لمنصبه، لأن المنصب تكليف لا وسيلة لصناعة الولاءات. وحين يصبح الاهتمام موجهاً إلى مجموعة دون أخرى، أو يُمنح القرب والامتياز وفق المصالح والعلاقات، تتسع الفجوة بين الناس وتضعف الثقة بمن يفترض أن يكون قدوة لهم.

إن من يمثلنا بحق هو من ينظر إلى الجميع بعين واحدة، ويجعل معيار التقدير الكفاءة والاستحقاق لا الانتماء أو المنفعة. فالمجتمع لا يبنى بالتمييز، بل بالعدالة، ولا ينهض بالتفرقة، بل بالشعور المشترك بأن الجميع شركاء في الحقوق والواجبات.

فمتى ندرك أن الأرزاق بيد الله، وأن المناصب زائلة، وأن الكلمة والموقف العادل هما الباقيان في ذاكرة الناس؟ ومتى يدرك بعض المسؤولين أن أعظم ترويج لهم ليس كثرة الصور والشعارات، بل أن يشعر المواطن والمثقف والفنان والعامل والطالب بأنهم جميعاً يقفون على مسافة واحدة من اهتمامهم ورعايتهم؟

عندها فقط يصبح من يمثلنا قدوة، لا لأنه يملك سلطة، بل لأنه يملك عدالةً وضميراً يحفظان كرامة الجميع.”

د.عزيزجبر الساعدي،

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.