بقلم : إستبرق المهنا
حُر ام مملوك؟ مسيّر ام مخيّر؟ لعلها من اقدم القضايا الوجودية الفلسفية والدينية الجدلية التي شغلت العقل البشري منذ بدء الخليقة ليومنا هذا.
فقد تباينت الاراء بين من يرى ان الانسان مسيّر تحكمه قوة خارجة عن ارادته توجه مسار حياته، وبين من يؤمن بانه مخيّر يمتلك حرية الاختيار وصناعة قراراته. ومن هنا نشأ الجدل الأزلي بين التسيير والتخيير، وهل الانسان صانع مصيره ام مجرد منفذ لما كُتب له؟
الانسان مسيّر: يرى اصحاب هذا الاتجاه بان الانسان لايملك القدرة على اختيار الأمور الاساسية في حياته؛ فهو لايستطيع اختيار مكان وزمان ولادته، ولا أسرته، ولا جنسه، ولا شكله ولاحتى أقداره كالموت والمرض والحوادث حيث تقع جميعها خارج نطاق ارادته.
إذ يبدو الأمر وكأن هناك إطارا عاما او قانونا حياتيا يُفرض على الانسان قبل أن يمتلك القدرة على الاختيار.
كأن يولد شخص في بيئة فقيرة واخر في بيئة غنية لم يكن لاي منهما خيار في ذلك، او الإصابة بمرض وراثي او وقوع حادث مفاجي، كذلك اختلاف المواهب والقدرات الطبيعية بين الناس.
الانسان مخيّر: في المقابل، يرى آخرون أن الإنسان يمتلك إرادة حرة تمكنه من اتخاذ قراراته وتحمل مسؤولية أفعاله، وإلا لما كان للثواب والعقاب أو النجاح والفشل أي معنى.
مثلا قد يختار الطالب الاجتهاد او الإهمال في دراسته. كما يقرر الانسان أن يكون صادقا أو كاذبا في تعاملاته مع الآخرين، وهو ما يعكس جانبا من حرية الإرادة التي يتمتع بها.
وبين هذا وذاك هناك راي توافقي يمكنه الجمع بين الرأيين، وهو ان الانسان مسيّر فيما لايملك تغييره، ومخيّر فيما يملك قراره. فهو لايختار حياته لكنه يختار كيفية التعامل معها. مثلا لم يختر شخص الإعاقة الجسدية، لكنه اختار الإصرار على النجاح رغمها.
فالإنسان هنا لايملك القدرة على تحديد مصيره ولكنه يستطيع ان يواجه هذا المصير فهو عبدٌ مملوك لحدود وجوده، لكنه حرّ في مساحة أفعاله واختياراته؛ يستطيع التكييف مع القدر المكتوب له بالطريقة التي يراها.
فالإنسان ليس سيدا مطلقا على حياته، كما أنه ليس أسيرا كاملا للظروف. إنه يتحرك داخل مساحة مرسومة سلفا، لكنه يملك حرية الحركة داخلها. يشبه ذلك لاعب الشطرنج الذي لا يختار قواعد اللعبة ولا شكل الرقعة، لكنه يختار خطواته ويُحاسب عليها.
لذلك قد يكون السؤال الأدق ليس: هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟ بل: ما حجم الحرية التي يملكها داخل حدود ما لا يستطيع تغييره؟
فالحكمة هي التمييز بين ما هو قدر علينا، وما هو قرار منا. ففي هذه المساحة الصغيرة بين القدر والإرادة تتشكل حكاية كل إنسان.











