الشرق الأوسط في حرب الآخرين

علي الاعلاميمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
الشرق الأوسط في حرب الآخرين

بقلم: د.خالد قنديل

لا تقاس الحروب بعدد الغارات أو الصواريخ وحدها، بل بقدرة كل طرف على فرض مشكلة لا يستطيع خصمه حلها من دون دفع ثمن يفوق ما كان يتوقعه. ومن هذه الزاوية، لا تبدو المواجهة الأمريكية الإيرانية صراعًا ثنائيًا محصورًا بين قوة عظمى ودولة إقليمية، بل إنها اختبار شامل للنظام الذي حكم الشرق الأوسط لعقود: الولايات المتحدة توفر الحماية العسكرية، ودول الخليج توفر القواعد والطاقة، وإيران تستثمر في نقاط ضعف هذا النظام، بينما تتحمل دول مثل العراق ومصر جانبًا كبيرًا من التكلفة من دون أن تكون صاحبة القرار في بدء الحرب أو إنهائها.

تبدأ قراءة الصراع من الجغرافيا، لأن الخطاب السياسي قد يتغير بينما لا تتحرك الجبال ولا المضائق ولا الموانئ من أماكنها. إيران دولة واسعة تحيط بها سلاسل جبلية، وتملك عمقًا سكانيًا وأمنيًا، وتسيطر جغرافيًا على الضفة الشمالية من الخليج وعلى جزء حاسم من مضيق هرمز. أما الولايات المتحدة فهي القوة البحرية والجوية الأقدر على توجيه الضربات البعيدة، لكنها لا تستطيع إدارة حرب إقليمية من دون قواعد ومطارات وموانئ وحلفاء يحيطون بإيران. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: تستطيع واشنطن ضرب إيران بقوة، لكن طهران تستطيع نقل تكلفة الضربات إلى النظام الإقليمي الذي تعتمد عليه واشنطن نفسها.

الولايات المتحدة قادرة على تدمير منشآت عسكرية، وإضعاف شبكات صاروخية، وضرب مراكز قيادة، لكنها لا تستطيع تدمير المعرفة النووية أو ضمان تغيير سلوك النظام الإيراني بالقوة الجوية وحدها. وإذا كان الهدف يتجاوز الردع إلى تغيير النظام، فإن ذلك يحتاج إلى انهيار داخلي أو انقسام مؤسسي حاسم أو تدخل بري واسع، وهي شروط لا تصنعها الطائرات تلقائيًا. لذلك تواجه واشنطن معضلة مألوفة للقوى الكبرى: القدرة على إلحاق الدمار أكبر من القدرة على إنتاج نظام سياسي بديل ومستقر. أما إيران فلا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية تقليدية؛ فهذا هدف غير واقعي، يكفيها أن تمنع واشنطن من تحقيق نصر سريع ومنخفض التكلفة. فلا تحتاج مثلا طهران إلى إغلاق مضيق هرمز بالكامل حتى تحقق غرضها. يكفي أن يصبح المرور غير مضمون، وأن ترتفع أقساط التأمين، وتتردد شركات الشحن، وتُعاد حسابات المستثمرين. في الاقتصاد العالمي قد يؤدي الخوف الوظيفة نفسها التي يؤديها الصاروخ؛ فالناقلة التي لا تدخل المضيق بسبب ارتفاع المخاطر تشبه، من حيث النتيجة التجارية، ناقلة مُنعت بالقوة من المرور. وهكذا يصبح أمن الطاقة أداة تفاوض، ويتحول السوق العالمي إلى ساحة غير مباشرة للصراع. هذا يضع دول الخليج في الموقف الأكثر تعقيدًا. فهي تحتاج إلى الولايات المتحدة لحمايتها من إيران، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن تؤدي العمليات الأمريكية إلى جعلها هدفًا مباشرًا للانتقام الإيراني. الولايات المتحدة تستطيع يومًا ما تقليص وجودها أو تحويل اهتمامها إلى منطقة أخرى، لكن دول الخليج ستظل على الجانب المقابل من المياه الإيرانية. لذلك لا تريد هذه الدول انتصار إيران، لكنها لا تريد كذلك حربًا أمريكية مفتوحة لا تستطيع السيطرة على مسارها أو توقيتها أو نهايتها.

ومن هنا يبدو السلوك الخليجي، الذي قد يراه البعض مترددًا، منطقيًا من منظور الجغرافيا. السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين تريد الحفاظ على المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها تريد أيضًا قنوات مفتوحة مع طهران. وهي تسعى إلى ردع إيران من دون دفعها إلى اعتبار منشآت النفط والغاز والموانئ والمدن الخليجية امتدادًا للجبهة الأمريكية. وحتى ارتفاع أسعار النفط لا يمثل مكسبًا مطلقًا، لأن السعر المرتفع لا يفيد المنتج إذا تعطلت الصادرات أو تعرضت البنية التحتية للخطر أو ارتفعت تكاليف التأمين والنقل. لذلك يرجح أن تتجه دول الخليج إلى تنويع علاقاتها بدلًا من استبدال حليف بآخر. ستبقى الولايات المتحدة شريكها العسكري الأهم، لكن الصين والهند وتركيا وغيرها ستكتسب أدوارًا اقتصادية ودبلوماسية أوسع. ليس لأن هذه القوى قادرة حاليًا على تقديم مظلة عسكرية بديلة، بل لأن الاعتماد الكامل على قوة واحدة أصبح في ذاته مصدرًا للمخاطر.

العراق يمثل الحلقة الأضعف والأكثر تعرضًا لتحول الحرب من صراع خارجي إلى أزمة سيادة داخلية. فهو مرتبط اقتصاديًا وجغرافيًا بإيران، ويستضيف قوات أمريكية، ويضم فصائل مسلحة لا يخضع قرارها دائمًا بصورة كاملة للحكومة. وفي مثل هذا الوضع يمكن لهجوم تنفذه جماعة مسلحة أن يستدعي ردًا أمريكيًا أو إقليميًا، فتجد الدولة العراقية نفسها داخل مواجهة لم تتخذ مؤسساتها قرار خوضها. لهذا فإن القضية العراقية ليست المفاضلة بين واشنطن وطهران بقدر ما هي استعادة الدولة لحقها في اتخاذ قرار الحرب والسلم. فالسيادة لا تُقاس فقط بوجود حدود وعلم وحكومة، بل بقدرة السلطة على منع القوى الداخلية والخارجية من استخدام أراضيها لتصفية حساباتها. وإذا فشلت بغداد في احتكار السلاح الاستراتيجي، فستظل الجغرافيا العراقية ممرًا لنفوذ الآخرين بدلًا من أن تصبح أصلًا يخدم المصالح الوطنية. ومع ذلك تفتح الأزمة أمام العراق فرصة لإعادة التفكير في اعتماده على مسارات محدودة لتصدير النفط واستيراد الطاقة. فالدولة التي تعتمد على ممر واحد تمنح من يسيطر على ذلك الممر قدرة على خنقها. ومن ثم فإن تنويع خطوط التصدير، وربط العراق اقتصاديًا بتركيا والأردن والخليج، ليس مجرد مشروع تجاري، بل سياسة أمن قومي تقلل من قدرة أي طرف خارجي على التحكم في خيارات بغداد.

أما مصر فتبدو أبعد جغرافيًا عن إيران، لكنها ليست بعيدة عن نتائج الحرب. فموقعها عند اتصال البحر الأحمر بالبحر المتوسط يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب في هرمز أو باب المندب أو حركة الموانئ الإقليمية. الحرب التي تبدأ قرب الخليج يمكن أن تصل إلى المواطن المصري في صورة تراجع بإيرادات قناة السويس، أو ارتفاع في فاتورة الطاقة، أو زيادة في أسعار الشحن والتأمين والغذاء.

ويختلف الموقف بالنسبة لمصر عنه في الخليج. إذ أن دول الخليج معرضة بدرجة أكبر لخطر الضربات المباشرة، لكنها تملك فوائض مالية وموارد طاقة تساعدها على امتصاص الصدمات بينما مصر أقل تعرضًا للهجوم المباشر، لكنها أكثر حساسية اقتصاديًا، بسبب احتياجاتها من العملة الأجنبية واعتمادها على قناة السويس والسياحة والتحويلات والاستثمارات. ولذلك قد تظهر الحرب في القاهرة على هيئة تضخم وضغط على الموازنة وسعر الصرف قبل أن تظهر في صورة تهديد عسكري تقليدي. في الوقت نفسه تمنح الجغرافيا مصر وزنًا استراتيجيًا. فأمن قناة السويس لا ينفصل عن أمن البحر الأحمر، وأمن البحر الأحمر لا ينفصل عن الخليج والقرن الإفريقي واليمن. ولهذا لا تستطيع القاهرة التعامل مع المواجهة باعتبارها شأنًا بعيدًا. لكنها لا ترجح فكرة الصراع العسكري، لأن اتساع الحرب سيربط جبهات الخليج والعراق واليمن وغزة والبحر الأحمر في أزمة واحدة يصعب احتواؤها.

المصلحة المصرية الأكثر عقلانية هي الحفاظ على الملاحة، ودعم تسوية تحد من التصعيد من دون منح أي طرف قدرة مطلقة على فرض إرادته. فمصر تستفيد من نظام إقليمي متوازن أكثر مما تستفيد من انتصار كامل لطرف يفتح الباب أمام فوضى جديدة أو سباق تسلح أوسع. الحرب الحالية أضعفت ثلاثة افتراضات حكمت الشرق الأوسط طويلًا: أن الولايات المتحدة قادرة دائمًا على حماية الخليج، وأن إيران ستعمل فقط من خلال الوكلاء، وأن الممرات البحرية ستبقى مفتوحة مهما بلغ التوتر. وما بعد هذه الحرب لن يكون عودة بسيطة إلى ما قبلها، حتى إذا توقفت الضربات. فالمنطقة بدأت تدرك أن الحماية الخارجية ليست مطلقة، وأن الجغرافيا قد تتحول في لحظة من مصدر للثروة إلى مصدر للابتزاز.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.