شخصيات من مدينتي .. من ذاكرة العمارة … جابر محمد جابر.. حين تتحول سيرة الأديب إلى ذاكرة مدينة..

علي الاعلاميمنذ 54 دقيقةآخر تحديث :
شخصيات من مدينتي .. من ذاكرة العمارة … جابر محمد جابر.. حين تتحول سيرة الأديب إلى ذاكرة مدينة..

بقلم / علي محمد جابر الحلفي

    ميسان

في ذاكرة مدينة العمارة رجالٌ وأسماءٌ لا يجوز أن تمرّ حياتهم من دون أن تُروى، لأن بعض السير لا تمثل أصحابها وحدهم، وإنما تختصر جانباً من تاريخ مدينة كاملة، وتكشف لنا كيف كانت العمارة تصنع أبناءها، وكيف كان أبناؤها يحملون اسمها وذاكرتها إلى المدارس والصحف والمجلات والمؤسسات الثقافية، وإلى صفحات الشعر والقصة والرواية.

ومن بين هذه الأسماء التي تستحق الوقوف عندها طويلاً يبرز اسم الأستاذ جابر محمد جابر، ابن مدينة العمارة، المعلم والمثقف والشاعر والقاص والروائي والصحفي، الذي امتدت رحلته مع التعليم والصحافة والثقافة والأدب لعقود طويلة، وترك خلالها حضوراً وبصمة في المشهد الثقافي الميساني والعراقي.

إنها ليست مجرد سيرة ذاتية لأديب، وإنما حكاية إنسان بدأ من مدينة العمارة، وتلقى تعليمه الأول فيها، ثم انتقل إلى البصرة ليكمل طريقه في التعليم، قبل أن تأخذه الكلمة إلى عالم الصحافة والثقافة، ليصبح واحداً من الأسماء التي ارتبطت بالحركة الأدبية والثقافية والصحفية العراقية.

وُلد جابر محمد جابر عام 1954 في مدينة العمارة، وأكمل دراسته الأولية فيها. تلقى تعليمه في مدرسة الإمام الصادق الابتدائية، ثم واصل دراسته في المدرسة المركزية، والتحق بعدها بـ إعدادية العمارة للبنين، ومن هذه البيئة التعليمية بدأت تتشكل ملامح شخصيته، قبل أن ينتقل إلى مرحلة جديدة من حياته الدراسية.

تخرّج من معهد إعداد المعلمين في البصرة، لتكون مهنة التعليم واحدة من المحطات الأولى في حياته، إلا أن اهتمامه بالثقافة والأدب والصحافة دفعه إلى مساحة أوسع، فدخل عالم الكتابة والنشر والعمل الثقافي، وأصبح قريباً من الصحف والمجلات الأدبية والمشهد الثقافي العراقي.

ولفهم شخصية الأستاذ جابر محمد جابر، لا بد من التوقف أيضاً عند البيئة العائلية التي نشأ فيها، فهو ينتمي إلى عائلة حسينية عُرفت بخدمة الإمام الحسين عليه السلام أباً عن جد، وكانت أجواء الأسرة مرتبطة بالمجالس الحسينية والمواكب وخدمة الناس، ولا سيما في أيام شهر محرم الحرام، حيث كان البيت مفتوحاً أمام المواكب والمجالس، وكانت خدمة الزائرين وأهل العزاء جزءاً من ذاكرة الأسرة وحياتها.

وكان والده، المرحوم الحاج محمد جابر أبو مالك، وجهاً اجتماعياً معروفاً في مدينة العمارة، تربطه علاقات واسعة مع أبناء المدينة ووجهائها، وكان بيته مقصداً للمواكب والمجالس الحسينية، كما كان له مكتب في شارع التربية مقابل ماكنة الثلج، وهو مكان ارتبط بذاكرة العائلة وذاكرة المكان في مدينة العمارة.

ولم تكن حياة الأسرة بعيدة عن المحطات المؤلمة التي عاشها العراق، ففي عام 1991 تعرضت العائلة لفاجعة كبيرة تمثلت بإعدام شقيقه الأكبر، الشهيد المظلوم مفوض الشرطة مالك محمد جابر، الذي ما زال مصير قبره مجهولاً حتى يومنا هذا.

وكانت تلك الفاجعة جرحاً عميقاً في ذاكرة العائلة، وحكاية بقيت حاضرة بكل ما تحمله من ألم ووجع ووفاء، فبعض الغائبين لا يغيبون من الذاكرة، وبعض الشهداء تبقى أسماؤهم حاضرة مهما مرت السنوات.

أما الأستاذ جابر محمد جابر، فقد واصل مسيرته العلمية والمهنية، واتجه بقوة نحو الصحافة والثقافة، فعمل في الصحف والمجلات الأدبية محرراً ثقافياً، وكان قريباً من الأدباء والمثقفين، ومتابعاً للنتاجات الأدبية والحركة الثقافية، لتصبح الصحافة بالنسبة إليه أكثر من مهنة، بل مساحة للتواصل مع الكتاب والمبدعين وتوثيق المشهد الثقافي.

وعمل في المكتب الإعلامي لوزارة الثقافة، كما عمل في المكتب الإعلامي لوزارة التربية، واكتسب من خلال هذه التجربة حضوراً واسعاً في المجال الإعلامي والثقافي.

ثم تولى مسؤولية رئاسة تحرير جريدة الحضارة، وهي جريدة أدبية تصدر عن وزارة الثقافة، وهي محطة مهمة في تجربته الصحفية والثقافية، قبل أن يواصل عمله في دار الشؤون الثقافية العامة محرراً ثقافياً، ليكون قريباً من حركة النشر والكتاب والإبداع العراقي.

كما عمل في صحيفة الثورة، ثم في صحيفة الفرات، قبل أن ينتقل إلى مرحلة أخرى من تجربته الصحفية، فأصبح مسؤولاً عن القسم الثقافي في جريدة المشرق، مواصلاً حضوره في الصحافة الثقافية، ومتابعاً للحراك الأدبي والفكري والإبداعي.

وهكذا تنقلت تجربته بين التعليم والصحافة والعمل الثقافي، ولم يكن بعيداً عن الوسط الأدبي، بل كان عضواً في اتحاد الأدباء العراقيين واتحاد الأدباء العرب، وعضواً عاملاً في نقابة الصحفيين العراقيين، وعضواً في اتحاد الصحفيين العرب.

كما تولى أمانة سر اتحاد أدباء ميسان لدورتين متتاليتين، وهي مسؤولية تعكس حضوره في الوسط الثقافي الميساني، وارتباطه بالحركة الأدبية في المحافظة، ومشاركته في الفعاليات والأنشطة التي جمعت أدباء ومثقفي ميسان.

وشارك الأستاذ جابر محمد جابر في أغلب المهرجانات الشعرية والندوات الثقافية والندوات السردية، وظل حاضراً في المشهد الثقافي، مشاركاً ومتابعاً وفاعلاً، إلى جانب كتابته ونشره القصائد والقصص القصيرة والدراسات النقدية في الصحف العراقية والعربية.

ولم تكن علاقته بالأدب علاقة قارئ أو متابع فقط، وإنما كان هو نفسه صاحب تجربة إبداعية امتدت في أكثر من جنس أدبي، فكتب الشعر، وخاض تجربة القصة القصيرة جداً، وكتب الرواية، وقدم دراسات نقدية، لتتشكل لديه تجربة أدبية متعددة الوجوه.

بدأ مشواره مع الكتابة الشعرية بإصدار «قصائد ملعونة» عام 1977، وهو العمل الذي يمثل محطة مبكرة في تجربته الشعرية.

ثم صدر له ديوان «دفء الثلج» عام 2000 عن وزارة الثقافة، وتلاه كتاب «تعاويذ هرمة» عام 2002، ثم «أحلام مبللة» عام 2007 عن وزارة الثقافة.

وفي عام 2012 صدر له «دوائر مربعة»، ثم واصل مشروعه الشعري فأصدر عام 2015 ديوان «وحيداً في الأزقة أغني».

ولم يتوقف مشروعه عند الشعر، بل انتقل إلى عالم السرد والقصة القصيرة جداً، فأصدر عام 2015 كتاب «مطر على رصيف الذاكرة» في القصص القصيرة جداً، ثم أصدر روايته «سلالم الصحو» عام 2016، لتكون الرواية محطة أخرى في تجربته الإبداعية.

وفي عام 2021 صدر له كتاب «بئر برهوت» في القصص القصيرة جداً، ليواصل بذلك حضوره في هذا النوع الأدبي الذي يعتمد على التكثيف والاختزال وصناعة المعنى من خلال نص قصير.

ولم تتوقف تجربته الإبداعية عند هذه الأعمال، فما زالت لديه أعمال أخرى تنتظر طريقها إلى القارئ، منها «الملاك الجميل» في الشعر، وهو عمل تحت الطبع، إلى جانب رواية مخطوطة.

وقد حظيت تجربته الإبداعية بالتقدير، إذ حصل على الجائزة الثالثة في مسابقة اتحاد الأدباء العراقيين للقصة القصيرة جداً، كما حصل على الجائزة الثالثة في مسابقة منتدى نازك الملائكة للقصة القصيرة جداً عام 2012، وهو إنجاز يؤكد حضوره في مجال أدبي يحتاج إلى قدرة عالية على التكثيف والاختزال وتحويل المساحة الصغيرة إلى معنى كبير.

وحين نستعيد سيرة الأستاذ جابر محمد جابر اليوم، فإننا لا نستعيد سيرة شاعر أو قاص أو روائي أو صحفي فقط، وإنما نستعيد جزءاً من ذاكرة جيل كامل عاش مراحل مختلفة من الحياة الثقافية والصحفية العراقية.

إنها سيرة بدأت من مدينة العمارة، من المدرسة والبيت والشارع والبيئة الاجتماعية، ثم انتقلت إلى معهد إعداد المعلمين في البصرة، ومن التعليم إلى الصحافة، ومن الصحافة إلى المؤسسات الثقافية، ومن المؤسسات الثقافية إلى الاتحادات الأدبية، ومن كل ذلك إلى الكتاب والشعر والقصة والرواية.

وما يميز هذه السيرة أيضاً أن صاحبها ظل مرتبطاً بمكانه الأول، بمدينة العمارة، المدينة التي ولد فيها وأكمل دراسته الأولية فيها، وحمل تفاصيلها وذاكرتها معه في رحلته الطويلة مع الكلمة.

ومن هنا تأتي أهمية توثيق مثل هذه الأسماء في سلسلة «من ذاكرة العمارة»، لأن المدن لا تُعرف بشوارعها وأبنيتها فقط، وإنما تُعرف أيضاً برجالها وأدبائها ومعلميها ومثقفيها والصحفيين الذين عاشوا فيها وتركوا أثراً في تاريخها.

والأستاذ جابر محمد جابر واحد من أبناء العمارة الذين امتدت تجربتهم من التعليم إلى الثقافة والصحافة والأدب، وتركوا وراءهم كتباً ونصوصاً ومشاركات ومواقف، لتبقى تجربتهم جزءاً من الذاكرة الثقافية للمكان.

من مدرسة الإمام الصادق الابتدائية، إلى المدرسة المركزية، إلى إعدادية العمارة للبنين، ومن معهد إعداد المعلمين في البصرة إلى الصحف والمجلات الأدبية، ومن المكتب الإعلامي لوزارة الثقافة ووزارة التربية إلى جريدة الحضارة ودار الشؤون الثقافية العامة، ومن صحيفة الثورة والفرات إلى القسم الثقافي في جريدة المشرق، ومن أمانة سر اتحاد أدباء ميسان إلى المهرجانات والندوات، امتدت رحلة طويلة مع التعليم والصحافة والثقافة والأدب.

رحلة حمل فيها جابر محمد جابر أكثر من صفة، فكان معلماً ومثقفاً وصحفياً وشاعراً وقاصاً وروائياً، وظل وفياً للكلمة والكتاب والمدينة.

وفي النهاية، تبقى السيرة أكبر من العناوين، ويبقى الكتاب شاهداً على صاحبه، وتبقى المدينة شاهدة على أبنائها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.